Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

سوانح امرأة عادية بين الألم والأمل للشاعرة نعمة ابن حلام                       

أود أن أشير، في البداية، إلى أن مقاربة فضاءات العملين الشعريين، للشاعرة نعمة ابن حلام، الموسومين بعنوان:”سوانح امرأة عادية”، الصادر عن مطبعة سيليكي أخوين، في مطبعته الثانية بطنجة(2019)، وديوان”أن أكون”، الصادر عن مطبعة البوغاز بمكناس سنة (2020)، يقتضيان، لاقتحام عوالمهما، الوقوف على أربع علامات دالة اعتمدت جميعها، في عنونة الديوانين”سوانح امرأة عادية”و”أن أكون”، باعتبار ما تشكله هذه العلامات من حضور على مستوى التلقي، وباعتبارها مؤشرات دالة على ما سيأتي من محمولات حبلى بالرموز والدلالات.

وللتذكير فقط، فإن ديوان “سوانح امرأة عادية”، سبقته أعمال أخرى دارت في فلكه، أو وقفت على مسافة منه، علما أن الأبعاد الفكرية والهموم الاجتماعية تبقى واحدة. ومن هذه الأعمال: ديوان “السوانح”(1971)،للأديب والإعلامي إدريس الجاي، وكتاب”سوانح أفكار لأمير البيان شكيب أرسلان”، لقاسم بن خلف الرويس، ورواية “ليتني امرأة عادية” للأديبة السعودية هنوف الجاسر، التي تنتقد فيها موضوع المرأة الخنوعة لسلطة الزوج، وجهلها بحقوقها، فكان ذلك مدعاة لسوء معاملتها وتدهور أحوالها، وتبعثر أحلامها، وفقدان كثير من مقومات وجودها.

وارتباطا بديوان “سوانح..”، فقد شدتنا إليه جاذبية مكونات ثلاثية الأبعاد : سوانح بنكيرها ونفيرها، وامرأة بلفظ تنكيرها، مختزلة كل النكرات الأخريات من النساء، والتي أضيف لها وصف عادية، مؤملة بموجبه أن تمارس فعل العدو، عبر حركة مرتقبة، من المحتمل جدا أن تنتشلها من ربقة تنكيرها، وتزيل عنها ما علق بها من غبار، وتجلي مقدراتها ومقومات وجودها.

وحتى تكتمل صورة نعمة الأنثى، نفضل قبلا، أن نتحدث عن اسم نعمة، لما تحمله إلى باقي مركبات  العنوان، من بعد معرفي وثراء دلالي. فنعمة(كعلم)، أو نعمة(كمصدر)، مشتق كلاهما من  نعم ينعم نعيما ونعمة. وتجمع على نعمات، ونعم وأنعم. أما لفظ النعماء، المتحدر من جذر نعمة، التي هي الشاعرة نفسها، فمرادف للمال والدعة، واليسر والخير الوفير. كما تصرح الشاعرة بذلك في قصيدة”أنا النعماء”، قائلة :

أنا النعماء يا قومي

بأحلامي..

بآمالي..1

وإذا لم يكن لنعمة نصيب من النعم، فإن لها من السوانح ما تجد فيه ضالتها، وتشفي غلتها، وتتمكن بالتالي من إبعاد نقمها، واسترجاع أنعمها.

أما السوانح أو السانحات، فجمع سانحة من سنح يسنح سنوحا. والسانح عكس البارح، من يأتيك من جانب اليمين، كمؤشر على الخير، ودليل على الفأل الحسن. والبارح من يأتيك من جهة اليسار، فيكون نذير شؤم وطيرة. وقد قالت العرب قديما : “من لي بالسانح بعد البارح، بالخير بعد الشر”2

والسانح أو السانحة أخيرا، إنما هو حامل(ة) الأفكار مضافة إلى كتلة المشاعر التي جادت بها قريحة نعمة ابن حلام في ديوانها”سوانح امرأة عادية”.

– عن الديوانين وبينهما :

يتألف ديوان”سوانح..” وديوان”أن أكون”، فضلا عن النصوص الموازية، من واحد وعشرين قصيدة، مقابل ثمانية عشر قصيدة. ويتصدر الديوان الأول قصيدة “سلام”، التي بنيت استثناء بناء عموديا، مقابل 20 قصيدة منثورة، انتهت بقصيدة”جنون” كمصير محتوم، سترتسم معالمه لاحقا، وتمتد  تبعاته عبر قصائد الديوان، فيزداد جراءها وجع النفس شدة وإيلاما، لولا إشراقة الكينونة التي سطع نورها بظهور ديوان”أن أكون”.

وبين مدخلات ديوان”سوانح..”، ومخرجاته، وظهور ديوان”أن أكون”وانتظاراته، تصدر الشاعرة عن إصرار غير مهادن على مبدإ التشبت بالحياة، والتعلق بأهدابها وتلابيبها، ضدا عن تقلبات أحوالها، وغرابة أطوارها، عماد مساراتها ومداراتها، ثنائيات ضدية مؤداها : الأمل والألم، الليل والنهار، القيد والحرية، بكل ما يدور في فلكها  من مظاهر التنافر والتباعد.

وقد بدأت تمظهرات هذه الثنائيات في التشكل، منذ قصيدة “سلام”، وامتدت مخلفاتها حتى نهاية قصيدة “جنون”، قبل أن تتسع دوائرها وينتشر حضورها على امتداد ديوان “الكينونة”، من خلال توارد أساليب إنشائية، احتدمت فيها وتداخلت أساليب الاستفهام والنداء، وصيغ شتى من أساليب الرفض والغضب والثورة.

ويمكن أن نقف على أربع مستويات من هذه الأساليب :

أ- مستوى السؤال ملؤه استفهامات الشاعرة، المتناثرة في ثنايا القصائد أهمها : متى يا فؤادي؟ ما هذا الجنون؟ أين السبيل؟ أين المفر؟ ماذا أقول؟..

ب- مستوى اللاءات الرافضة للحال والمآل، كما سبق في قولها مواجهة ومتصدية:

…………………..أنا الملأى

باللاءات/الحبلى بجنون سؤال لم يولد3

 

أو كما تلا في قصيدة “لا” و”لن” في قصيدة “موج في بحر جنوني” من ديوان” ان أكون” إذ تقول:

لاتقتربي فأنا وتر4

لا أخشى لسعة أزماني5

لن أسأل،

لن ! 6

 

هذه اللاءات وهذه اللنات ومثيلاتها في المعنى، إنما هي اعترافات بالهزيمة وانسداد الأفق، مع بقاء باب الأمل مفتوحا للتحرر والانعتاق كما في قصيدة “وعد بالطيران”:

غدا أطير

غدا أطير

غدا أطير7

ج- مستوى تكريس مبدأ التأمل في الحياة والجهل بكثير من قضاياها، مع التساؤل عن سر الوجود  من خلال ترديدها لعبارات: لا أدري، لست أدري.. وهو السؤال المحير الذي استبقت الشاعرة إلى طرحه، منذ ص: 14 قائلة:

سؤالي رحلة حيرى

مرافئها

عيون الصبح إن أسفر…8

 

وهو المبدأ الذي تقاسمه كثير من الشواعر والشعراء، ينم عن الشعور بنوع من التيه والضياع، كما تعبر عن ذلك الشاعرة الكويتية ميسون السويدان في قصيدتها  السينية قائلة:

ولست أدري أيأسي جاءني من أملي؟

أم جاءني أملي من شدة اليأس 9

 

وهو نفس المعنى الذي أشار إليه سابقا الشاعر المعري، حين تساءل عن دلالة صوت الحمام قائلا:

أبكت تلكم الحمامة أم غنت

على فرع غصنها المياد10

وأخيرا ما ذهب إليه إيليا أبو ماضي عندما عبر عن حيرته وعجزه عن فهم سر الوجود قائلا في قصيدة “الطلاسم”:

جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!  11

د- أو عن طريق توظيف أسلوب النداء قصد الاستعانة بالمخاطب في رفع الضرر عما يداهم المستغيثة من أخطار محدقة. تقول الشاعرة بهذا الصدد:

يا جنتي 12

أيا رب الأسرار.. 13

وابتداء من مشارف عتبة ديوان”أن أكون” المركب من أن والفعل ،أن المصدرية وفعل أكون ، القابل للتحريك بفعل إعرابه، سيصبح لازما في التقدير، يستحضر قبله فعل الإرادة لتصبح التركيبة الجديدة بصيغة “أريد أن أكون (حرة)” ، بذلك تتحقق كينونة الشاعرة /المرأة، وتتقق رغبتها في الوجود. وبناء على هذا التأويل/ التوليد، سيصبح بإمكاننا أن نترتقب تحولا جوهريا في خطاب الشاعرة ، وستكون رغبتها بالتأكيد ماضية في الارتقاء، واعتلاء المدارج، متجاوزة سابق عهدها بكل ما تحملته من أعباء كأداء، في أفق الإقرار بجدوى مواجهة الواقع، لا عن طريق وصفه، والتباكي على أطلاله وذكرياته ، بل بمحاولة تثويره وتغييره. تقول في تحد صارخ :

أنا الثورة

أنا الفورة

أنا الكندانة الحرة

شبابي بسمة الدنيا

أزيح الظلم والجمرة 14

إننا بإزاء مجموعة من مستويات التحويل والتوليد كما  نبأتنا بها عتبتا الديوانين “، لتبقى أبوابها مشرعة على كثير من الآفاق الواعدة.

وختاما، لابد من الإشادة بجودة الخطاب الشعري لدى الشاعرة نعمة ابن حلام ، لما يثيره لدى القارئ من دهشة فنية رائقة، وإمتاع بلاغي لا تقاوم ، وبما تحمله في طياته من دفقات شعورية حارقة، وبما يخطه من رسالة موجبة في طريق تحرير المرأة وتحررها . وبناء عليه، فإن الكتابة عند نعمة ابن حلام ،إنما “انتصارللحياة وانتصارللوجود .إنها هي الخلاص والمتنفس في عالم يملؤه الظلم والفوارق والحروب”  15

د. عمرو كناوي

 

———————————————————

    الإحالات :

1-نعمة ابن حلام. سوانح امرأة عادية.مطبعة سيليكي أخوين.طنجة. الطبعة الطبعة الثانية. 2019 ص :6

2-الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد. “الطيرة”، عن العمدة. الجزء 2 ص:263

3-ديوان. أن أكون. مطبعة البوغاز. مكناس الطبعة الأولى 2020. ص: 40

4- نفسه ص: 12

5- نفسه ص: 21

6-نفسه ص: 27

7-نفسه ص:25:  27

8-ديوان.سوانح امرأة عاديةص: 14

9- ميسون السويدان. من قصيدتها السينية    .1o- أبو العلاء المعري. تعب كلها الحياة

11-إيليا أبو ماضي. ديوان الجداول. قصيدة الطلاسم.

12-ديوان سوانح امرأة عادية.ص:38

13-نفسه. ص: 73

14- ديوان .أن أكون.ص:19/18

15-من حوار أجرته جريدة(لسودان مستقل) مع الشاعرة بتاريخ:2019 /07/       1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up